نص لمي الوكيل




ا

أثناء التحضير لورشة عمل في عام ٢٠١٩ ا حول استخدام التسجيلات الرقمية كأحد المصادر للكتابة عن الفنون عثرت على صورة للمخرج المسرحي أحمد العطار. ظهر أحمد في الصورة عار الصدر، منكب على  ألواح خشبية باهتة، ينزع منها المسامير. أوضح الوصف تحت الصورة قيام أحمد بتلك المهمة على مدار خمس ساعات متتالية في ١٤ سبتمبر ٢٠٠٥. كان هذا العمل الادائي، بعنوان «التركيب/ التفكيك»، جزءًا من الفعالية التي استمرت خمسة أيام باسم «واقعة الاستوديو رقم ١»، من تنسيق حسن خان في الاستوديو الخاص به في «جاليري تاون هاوس»، إلى جانب سلسلة من العروض الموسيقية وعروض الفيديو والتجمعات الودية بين الفنانين والأصدقاء والمارة.ا

لم أسمع قط عن «واقعة الاستوديو رقم ١» قبل مشاهدتي للصورة. كما أنني لم أتمكن من ايجاد مجموعة النصوص النقدية التي نشرها خان مع القيّم بسام الباروني حول الفاعلية. لذلك بدأت في قراءة المراجعة الوحيدة التي وجدتها للمؤرخة الفنية كلير ديفيس، والتي تم نشرها مع صورة العطار على منصة «بدون». كتبت ديفيس أن رسائل البريد الإلكتروني الدعائية أكدت أن «واقعة الاستوديو رقم ١» لم تكن فاعلية ينظمها «تاون هاوس»، مضيفة أنها بدت وكأنها تنشئ حيز لتحققها الذاتي من خلال التركيز على الأعمال المُقدمة، وعبر رفض السياقات التحليلية المعتادة. ا

أحد العناصر التي كثيرًا ما يتم تجاهلها في سياق الفعاليات الفنية هو شبكة العلاقات المعقدة بين كتّاب الفن والمشاركين في الفعاليات. في تجربتي الخاصة بالعمل في مشهد الفن المعاصر في القاهرة، يمكن هذا أن يشير إلى طرق مختلفة لفهم كيفية عمله، بعيدًا عن الإشارات المعتادة إلى «المحلي» و«المستقل» و«الطليعي». في عام ٢٠٠٥، كانت ديفيس متزوجة من خان. الباروني والعطار كانا صديقان ويتعاونون منذ فترة طويلة مع خان. محمود رفعت ومحمود والي وموريس لوقا، الذين عُرفوا في ذلك الوقت بفرقة «بيكيا»، كانوا على علاقة سابقة بكل من خان وديفيس. الفنانة وصانعة المجوهرات زينب خليفة كانت حماة ديفيس. في نفس الوقت تقريبًا، استضاف ناقد فني عدة معارض وقراءات لأصدقاء في شقته، على بعد بضعة شوارع من «تاون هاوس»، بينما نظمت مجموعة من الفنانات التي تشاركن استوديو في المنيرة، ليالي عروض أفلام يصاحبها تقديم الطعام لدائرة متنامية من المعارف. لا يُقصد بهذا التحديد الإشارة إلى المحسوبية. لكنه يوضح كيف تتشكل الأفكار والممارسات والتعاون بشكل طبيعي وتتطور بمرور الوقت من خلال شبكاتنا الاجتماعية. ا

انتقل معظم هؤلاء الأفراد من وسط المدينة في السنوات التالية. تم إغلاق «تاون هاوس» و«استوديوهات السطح» المزدحمة الخاصة به في شارع نوبار، من بين العديد من المؤسسات الأخرى. ظهرت نماذج جديدة مثل «جاليري جيبسوم» و«آرت دي ايجيبت» و«مركز كوكون الثقافي». يبدو أن الكثير قد تغير، شعور تشاركه أعضاء «كولكتيف» عندما تواصلوا معي لأول مرة لكتابة هذا النص. كان اقتراحهم هو التفكير في «التغير السريع في خريطة المساحات الفنية والفعاليات الثقافية» في القاهرة على مدى السنوات الخمس الماضية، ما هي المساحات الجديدة والقديمة والموجودة ؛ ما هي رؤاهم، وكيف تؤثر على وربما تشكل عمل الفنانين الممارسين في المدينة. وأشار أعضاء  «كولكتيف» في مناقشاتنا إلى  مشروع «خطة مصر: أفراد الفن»، وهو مشروع لـ«ملحق غروب على النيل» تم نشره على «إبراز» عام ٢٠١٦. ا

بعد مكالمتنا، أعدت التفكير في مصادفتي لصورة العطار. وكذلك المراجعة المنشورة في «بدون» التي ذكرتها سابقًا. اخترت أن أتبع هذا الخيط، وأضع نقاد الفن كشخصيات مركزية أثناء رسم مخطط مشابه لـ«خطة مصر: أفراد الفن». كنت أعمل بالفعل مع جينيفر إيفنز (احدى مؤسسي «ملحق غروب على النيل» الذين عملوا على «خطة مصر: أفراد الفن»، والناقدة والمحررة نور الصافوري في مشروع «بنكتب ليه؟»، وهو مشروع بحثي طويل الأمد حول النقد الفني في القاهرة وبيروت في مطلع القرن الحادي والعشرين. من خلال هذا المشروع، نريد تتبع كيفية تعامل الكتّاب مع البنية التحتية الحالية وهياكل التمويل والموارد والمراجع والشبكات لتطوير وظيفة مجدية مهنيًا واقتصاديًا في المدينة؛ وكيف تنعكس الشبكات الرسمية وغير الرسمية حتمًا في ماهية وكيفية قرائتنا للفن المعاصر اليوم. ا

من المتوقع أن يقوم كتّاب الفن بمراكمة المعرفة والخبرة العملية، لبناء شبكات مع الفنانين والمساحات والمنصات، لنشر كتاباتهم. من المتوقع أن نثبت جدارتنا في توثيق وتحليل الأعمال الفنية والممارسات بدقة؛ لإجراء البحث والبدء أو المشاركة في المناقشات التي تحرك المياة الراكدة؛ للتساؤل عن موقع الممارسات الفنية في المشاهد المحلية والإقليمية والدولية عندما يتطلب الأمر، ووضع الأساس لإحتمالية التأريخ المستقبلي. من الصعب حقًا المطالبة بهذه الأدوار دون الاعتراف بهشاشة وضع الكتّاب والوظائف المختلفة التي يؤدونها لمواصلة العمل في هذا المجال، مع التمتع بمستوى من الاستقلالية والمصداقية. ومن ثم، اخترت في هذا الرسم الجديد المفترض، أن أركز على اقتصاديات وعمل الكتابة في الفن –التي قليلًا ما نتحدث عنها– فيما يتعلق بالشبكة الاجتماعية للكاتب. ا

كان سيتم رسم المعلومات التي تم جمعها من خلال استبيان في شكل رسم بياني، حيث يتم تمثيل كل كاتب بنقطة ذات لون معين. في المحور الأفقي، كان لدينا قائمة بالمنشورات والمشروعات والمؤسسات الفنية التي عمل الكتّاب معها، بينما يتتبع المحور الرأسي حركة الكتّاب بين هذه المساحات بمرور الوقت. عندما بدأت في صياغة الاستبيان، اتضحت سذاجة اقتراحي على الفور. إذا اردت رسم البيانات التي أجمعها، فسيكون من الصعب رسم خط من خلال نقاط كل كاتب باستثناء عدد قليل من سعداء الحظ. كان الرسم البياني سيتراوح في الغالب بين النقاط المبعثرة، والتجمعات الفوضوية، والفترات الزمنية التي قد تختفي فيها النقاط المحددة (الكتّاب) تمامًا. هذا ليس لأن هؤلاء الكتّاب كسالى أو غير نشيطين. بل يُظهر ذلك أن افتراض الاستدامة والاستمرارية في ممارسات الكتابة الفنية التي استند إليها الرسم البياني ليست محققة في سياق مشهد الفن المعاصر في القاهرة. كان من المنطقي إذًا فحص النقاط الخاصة بي فيما يتعلق بالمشهد الذي وجدته –حتى الآن– صغيرًا وممكنًا وهشًا. ا

بدأت بالتساؤل عن كيفية تقديم نفسي، والوظيفة التي أطمح إلى تحقيقها من خلال تولي الكتابة الفنية بشكل احترافي. أقدم نفسي حاليًا ككاتبة ومحررة وميسرة ورش عمل ومنتجة وسائط متعددة. هذه بعض الأدوار التي لعبتها على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية. أردت أن أخلق مساحة لنفسي في هذا المشهد، وأن أكسب لقمة العيش. كنت محظوظًة لأنني استمتعت بالاستقرار ككاتبة ومحررة في النسخة الإنجليزية من جريدة «المصري اليوم» منذ عام ٢٠١٠ حتى عام ٢٠١٣. أشار صديق صحفي في القسم العربي مؤخرًا إلى أن راتبه –هو وكتّاب آخرين– لا يتجاوز خُمس رواتب كتّاب الجريدة الانجليزية. قررت الإدارة في النهاية إيقاف الطبعة الانجليرية لخفض التكاليف. بحلول منتصف عام ٢٠١٣، عدت إلى حياة الكاتبة المستقلة ولكن بخبرة أكبر وشبكة من الفنانين والكتّاب والمساحات الفنية والمطبوعات. ا

كيف حصلت عليها وكيف تنعكس في كتاباتي؟ كنت قد بدأت قبل بضع سنوات. في أواخر عام ٢٠٠٠، تطوعت للعمل مع مؤسسات فنية وتوليت وظائف مجانية، خاصة لأنني درست الاقتصاد وليس الفن. كانت تجربتي الوحيدة ذات الصلة في ذلك الوقت عبارة عن تدريب داخلي في تنظيم المعارض الجامعية لمدة عامين في صالات العرض في «الجامعة الأمريكية بالقاهرة». قدمت وقتي وعملي إلى «المجلس الأعلى للآثار» و«جاليري تاون هاوس». لقد وصلني أفراد أسرتي وأصدقائي من «الجامعة الأمريكية بالقاهرة» بكلتا المساحتين، حيث سرعان ما وجدت أن مهارة الكتابة موضع تقدير. في الوظيفة الأولى، كُلفت بصياغة محتوى موقع المتحف المصري في القاهرة. في الوظيفة اللاحقة، طلب مني ويليام ويلز مدير «تاون هاوس» كتابة مراجعة لـمعرض «إيشاتون» لـ«نيرمين همام»، والذي تم عرضه في يناير ٢٠٠٩. لم أنشر هذه المراجعة مطلقًا وليس لدي نسخة منها لتقييمها بعد ١٤ عامًا. ما يمكنني قوله هو أن ويلز رأى أن لدي إمكانيات ما –بعدها، أشركني أكثر في المكان، وقدم لي مجموعة من الفرص. ا

أثناء عملي اليومي كمسؤولة ائتمان للشركات في أحد البنوك الدولية لكسب عيشي، شاركت في إنشاء مدونة لـ«جاليري تاون هاوس» مع إلين بروكس شحاتة للكتابة عن الفعاليات الجارية، بالإضافة إلى أعمال من الأرشيف –لا أتذكر العثور على أي أثر لـ«واقعة الاستوديو رقم ١». كما أنني كتبت وترجمت بيانات الفنانين، وساعدت الفنانين المقيمين في بحثهم. عُرض عليّ الكتابة الخفية في احدى المطبوعات الفنية من المنطقة، وقد كان عرضًا مربحًا. ومع ذلك، رفضت بناءً على نصيحة الأصدقاء الذين لديهم خبرة أكبر في هذا المجال. بعدما قضيت وقتًا في الجاليري، تعرفت على مجموعة من الكتّاب والمحررين والمؤرخين ذوي التفكير التقدمي الذين ما زلت أقدرهم حتى اليوم، وقمت بالمشاركة في ورش عمل مختلفة حول تاريخ الفن العربي الحديث، والميديا الجديدة، والممارسات القيمية. ا

أوصلني ويلز بـ«لينا عطا الله» التي كانت تحرر منشورًا كان يصدره «تاون هاوس» لاستكشاف إمكانيات التعاون –كنت أعرفها لفترة وجيزة من «مركز أبحاث التاريخ الاقتصادي والتجاري» في «الجامعة الأمريكية بالقاهرة» حيث عملنا كطلاب جامعيين، لكننا فقدنا التواصل من وقتها. في عام ٢٠٠٩، كانت عضوًا مؤسسًا للمجموعة الفنية والبحثية «تيك تو ذا سي (انطلق في البحر)»، ومديرة تحرير النسخة الإنجليزية من «المصري اليوم» ووقتها دعتني للمساهمة ككاتبة مستقلة قبل أن أصبح موظفًة بالجريدة في منتصف ٢٠١٠. التقيت بـ«نجار عظيمي» محررة مجلة «بدون». كانت قد بدأت في إجراء بحث حول مقتنيات الصور الفوتوغرافية في مصر، وعملت كقيِّمة مساعدة في الجاليري، وأسست النسخة الأولى من «فوتو كايرو» في عام ٢٠٠٢. كما حضرت اجتماعات تحضيرية من قبل مجموعة صغيرة من الفنانين والكتّاب لمشروع بتكليف من الجاليري لتأريخ ممارسات الفنانين المصريين المعاصرين. كانت هذه الاجتماعات مشحونة حيث ناقش الحاضرون ما هي الممارسات والمؤسسات التي يجب أن تحتل مركز الصدارة في هذا السرد للمشهد الفني المعاصر الناشئ –بينما حاول الفريق المفوض، الذي كان من المفترض أن أنضم إليه، التفاوض لنفسه على مستوى الاستقلالية اللازمة لجعل هذا المشروع ذات مغزى. لم ينطلق المشروع أبدًا بسبب مشاكل التمويل. ا

هذا الدافع للتوثيق والتحليل والمشاركة أمر مفهوم. كان أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وقتًا ملهمة، عندما كان مشهد القاهرة ينبض بالحركة. المؤسسات الفنية كانت نشطة بشكل كامل، بما في ذلك المساحات المغلقة حاليًا مثل «أرت اللوا»، دار إنتاج الأفلام الفنية «زيرو برودكشن»، وبعدها «بيروت» و«ملحق غروب على النيل» و«معرض ومدرسة سوما للفنون المعاصرة». إزداد عدد الصحف المحلية التي بها أقسام ثقافية مخصصة، والمجلات المتخصصة المهتمة بالفن المعاصر في المنطقة. كانت برامج «وزارة الثقافة» أكثر انتظامًا مقارنة باليوم، ولم يكن التمويل الفني غير الحكومي متعارض عليه إلى هذا الحد. كان هناك مكان ما للذهاب إليه أو شخص ما للقائه كل يوم تقريبًا. لم أكن لأفوت معرضًا أو زيارة استوديو أو حديث أو تجمع ودي. كان هذا تعليمي غير الرسمي والذي انعكس حتمًا على كيفية كتابتي عن الفن، وما اخترت توثيقه لاحقًا من خلال «مدرار تي في»، وهي قناة على الإنترنت ومشروع أرشيفي عن الفنون العربية شاركت في تأسيسها مع الفنان محمد علام. ا

التقيت بعلام في ٢٠١٠ لمحاورته حول عمله الذي شارك به في معرض جماعي كنت أكتب عنه مراجعة. عندما أصبحنا أصدقاء، أخبرني عن «مدرار تي في»، الذي يعتبر محاولة لفهم هذا النشاط الحماسي. لأخذ خطوة إلى الوراء وإلقاء نظرة على العمل، قبل تأطيره وإعادة صياغته من خلال بيان قيّم المعرض وتقارير التمويل والكتابة النقدية. كانت أيضًا قناة يمكننا من خلالها تغطية المبادرات التي كانت تقع خارج دائرة الضوء مثل «واقعة الاستوديو رقم ١». بالتركيز على ما هو تجريبي وهامشي، تعرفنا على العديد من الفعاليات التي وثقناها من خلال كلام الناس والكلام مع المعارف. لم يكن الغرض من أرشيف «مدرار تي في» أن يكون شاملاً. لكن هل كان تمثيليًا؟ هل كانت قادرة على استيعاب كيف تعكس الشبكات الاجتماعية أيضًا كيف نتحدث عن الفن المعاصر؟

لقد وثقنا بشكل متكرر، على سبيل المثال، معارض التخرج لدارسي الفنون في «الجامعة الأمريكية بالقاهرة»، بالإضافة إلى «صالون الشباب» الذي تنظمه الدولة. لكننا لم نزور أبدًا معارض التخرج في «كلية الفنون الجميلة» –على الرغم من أنه كان من الممكن أن تكون هناك طرق، بخلاف التوثيق، للتفاعل بشكل فعال مع المعارض وما يمكنهم إخبارنا به عن تعليم الفنون في مصر. عند تغطيتنا للمعارض الضخمة مثل «بينالي القاهرة» أو «بينالي الشارقة»، كان علينا «اختيار» الأعمال التي وجدناها أكثر إثارة للاهتمام. في بعض الأحيان، كنا نطلب من القيمين على المعارض والفنانين والنقاد اختيار عمل يفضلونه، وشرح السبب ومناقشة تأثير المعارض الضخمة على الحركة اليومية في مشاهدهم المحلية. شعر البعض بعدم الارتياح بسبب نفوذ المؤسسات التي نظمت مثل هذه المعارض. ولإضافة طبقة نقدية أخرى والوصول إلى جمهور أوسع، قمنا بتطوير شراكات بدءًا من عام ٢٠١٣ مع «جدلية» و«مدى مصر» (والتي أسسها مجموعة من محرري وصحفي  النسخة الإنجليزية لجريدة «المصري اليوم»)، لعرض بعض الفيديوهات بجانب مراجعات عن العمل. ا

طوال هذه الفترة، عملت كمحررة، ومصورة فيديو، ومترجمة، ومديرة فنية، ومسئولة تمويل، ومطورة لنموذج العمل. واصلت الكتابة. حاولت على الأقل. نشرت مع «إبراز»، «مجلة نفس للفنون»، «مدى مصر» وجريدة «القاهرة» التي تصدرها «وزارة الثقافة». لعب الأدوار المتعددة ليس بالأمر الجديد على مصر. يُظهر البحث الذي نقوم به في «بنكتب ليه؟» أن نقاد الفن غالبًا قد قاموا بعرض أعمالهم كفنانين، وكتبوا نصوصًا، وحرروا منشورات، ويسروا حوارات، وبدأوا مشاريع وقاموا بالتحكيم في مسابقات ومعارض –على الأقل منذ خمسينيات القرن الماضي. كان ذلك في الغالب من خلال ارتباطهم بمؤسسات الدولة وليس الكيانات الخاصة أو الغير حكومية. يمكن أن تصبح الخطوط الفاصلة بين هذه الأدوار ضبابية. وربما كان هذا أحد الدوافع وراء إنشاء جمعيتين مختلفتين لنقاد الفن التشكيلي المصريين في أواخر الثمانينيات ومنتصف التسعينيات. على الرغم من أن كلاهما فقد أهميته منذ ذلك الحين، لم يظهر أي كيان منظم آخر لدعم عمل كتّاب الفن. ا

لتغطية معيشتهم، تواصل الكتّاب بوسائل الإعلام الدولية ذات الأجور الجيدة للحصول على تكليفات للكتابة عن الفعاليات الضخمة أو الفنانين المشاهير، وحافظوا على العلاقات مع المساحات الفنية التي تدعوهم إلى تيسير حوارات وتنظيم ورش عمل والكتابة في كتالوجاتهم ومنشوراتهم منذ أوائل الألفينات. كانت الفرص للمشروعات الجديدة والتعاون متاحة وسعت إلى تحقيق مستوى من الازدهار من قبل أولئك الذين لديهم المعرفة والمعارف ويمكنهم تحمل تكاليف العيش خلال فترات التعطل. بالنسبة للعديد من الناشرين آنذاك والآن، فإن المنصب الداخلي هو ميزة تسمح بالحصول على رؤى ونقد بدلاً من أن يكون مصدر قلق لتضارب المصالح المحتمل. عندما تم تكليفي بكتابة مراجعة لـ«مهرجان القاهرة للفيديو» في ٢٠١٣ الذي تنظمه «مدرار»، وهي مؤسسة عملت فيها وكنت عضوًا في مجلس إدارتها، أوضح رئيس تحرير مجلة دولية للفنون في المنطقة أن علاقتي المستمرة مع المكان كانت من بين الأسباب التي دفعتهم إلى تكليفي بالكتابة. ا

أعترف أنني شعرت بعدم الارتياح إلى حد ما في ذلك الوقت، لكنني تعلمت أن أفصل بين الممارستين إذا أردت أن أحتفظ بصوت نزيه. ربما قد تساعد أشكال التوظيف الغير رسمية التي تتبناها معظم المساحات الفنية غير الحكومية. كما يساعد غياب العقود والمزايا، والرواتب المتواضعة. ولكن مع إغلاق المزيد من المساحات الفنية، الصحف المحلية مثل «إيجيبت إندبندنت» و«ديلي نيوز إيجيبت»، والعديد من المنشورات الفنية الدولية فضلوا تنسيق الأرشيف الخاص بهم بدلاً من التكليف بكتابة نصوص جديدة ـ مثل  «الممارسات المعاصرة»، «إبراز» و«بدون» ـ استمرت قنوات الكتابة الرسمية في التقلص منذ بداية عام ٢٠١٥. شعرت بهذا بشكل ملحوظ أكثر لأن مكانة القاهرة كمركز فني إقليمي قد تضاءل لصالح مراكز جديدة في الخليج حيث تم ضخ موارد مهولة لإنشاء بنية تحتية فنية على أعلى مستوى من الجودة. مع هذا التحول، الاهتمام المحدود بالفعل بالمنطقة من قبل المنشورات الفنية الدولية قد تحرك إلى الشرق. الكتّاب، مثل الممارسين الآخرين في هذا المجال، انتقلوا إلى أماكن أخرى بحثًا عن فرص أفضل. ولكن ماذا عن أولئك الذين ليس لديهم الرغبة أو السبل للمغادرة؟

عاد البعض، مثل أولئك وراء «قائمة نشر عصمت»، والتي تنشر من خلالها الناقدة نور الصافوري مطبوعات فنية ومطويات متخصصة، والفنانون الذين يشكلون «كو-ليكتيف»، الذين يخوضون الآن في تكليف كتابة مراجعات فنية، إلى الوضع السابق المتمثل في إنشاء منصاتهم الخطابية. نضجت المؤسسات القليلة التي استمرت في العمل منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، وتستثمر في ورش عمل طويلة المدى وبرامج تعليمية تصدر منشورات كواحدة من المخرجات العديدة التي تشمل أيضًا مناقشات عبر الإنترنت ومدونات صوتية (بودكاست). تقدم البعض، بمن فيهم أنا، للعمل مع المؤسسات المانحة، لأشغل دورًا نقديًا أخر. ومع ذلك، اشترط المنصب عدم الكتابة عن التخصصات التي تدعمها هذه المؤسسات. أفهم وأقبل المنطق الكامن وراء هذا المطلب –القلق بشأن الخلط بين موقف الناقد وموقف الكيان المانح. لكن هذا يعيدني إلى السؤال: كيف يمكن لكتّاب الفن أن يكون لديهم ممارسة مستدامة ومستمرة هنا؟

خلال إجتماع لمشروع «بنكتب ليه؟» مع نور وجنيفر مؤخرًا، سألنا بعضنا البعض: من يكتب عن الفن المعاصر في القاهرة عام ٢٠٢٢، وأين قد ينشر هؤلاء النقاد؟ لقد خدشنا رؤوسنا بينما كنا نصارع للتفكير في أكثر من بعض الأشخاص المعدودين على اصابع اليد. هل تغيرت حقًا علاقات الكتّاب بالمؤسسات والمنصات بهذا القدر؟ أم أن هشاشة هذه العلاقات أصبحت ببساطة أكثر وضوحًا مع إغلاق المنصات، وتضييق التمويل، وشروع الدولة في سياسة عامة لتنظيم وفرض الضرائب على الممارسات الحرة والاقتصاد الغير الرسمي –مما يقلص من الفرص ومصادر الدخل المحدودة للكتّاب. ا

ذكرت صديقة ناقدة تنظم حاليًا برنامج جاليري خاص كيف تخيلت نفسها بشكل إيجابي وهي تعيش حياة الناقد الفني عندما دخلت المشهد لأول مرة قبل عشر سنوات. تساءلت، أي حياة؟. كنا على حد سواء غير متأكدتين. ما هو مؤكد هو أنها حياة يمكن للكتّاب كسب لقمة العيش فيها بشكل مريح بينما يساهمون في تطوير المشهد، بشكل جماعي. لم نشكل أي مؤسسة للتعبير عن أولوياتنا كما نأمل أن تكون «الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي» قد فعلت من قبل. نستمر في التجمع حول المشاريع الخاصة بنا، وتمويلها من جيوبنا أو التقدم بطلب للحصول على تمويل كجزء من مشاريع الفنانين ذات الاهتمامات المتداخلة. نواصل التفاوض على الأجر لكل حالة على حدة فيما يتعلق بالموارد المتاحة والتضخم المتزايد، ولكن لا يوجد معيار حقيقي. نواصل البحث عن مبادرات مثيرة للاهتمام على الهامش ونقوم بطرحها على الناشرين القلائل الباقين. شبكاتنا هي رأس المال الخاص بنا كما هو الحال لعدة آخرين الذين يعملون في المشهد الفني المعاصر. ا

لقد حضرت مؤخرًا فعاليات في استوديوهات فنانين وشقق منزلية، نُظمت استجابة لإغلاق مساحات العرض. تم دعوتي للكتابة عن واحدة منهم. أتسائل، ما هو القدر المطلوب من السياق لتناولها؟ كيف يمكن للكتابة أن تساهم في دورة فعالة من الإنتاج الفني والتفاعل والتأمل؟





مي الوكيل، كاتبة ومحررة ومنتجة محتوى سمعي بصري، تقيم بالقاهرة، ولديها معرفة معنية بالفنون العربية المعاصرة.ا





Read the latest text by Mai Elwakil, Art critics in Cairo: An alternative plot  ✦ Read K-oh-llective’s contribution in Rehearsing Hospitalities Companion 4 ✦ Read our second exhibiton review by A. George Bajalia, Review #2: Pièces Détachèes ✦ Send us your publications by November 30! Learn more about the Open Call: Art Publications ✦ Support K-oh-llective’s work with a small donation! Learn more on how to Donate! ✦ Get in touch at info@kohllective.com ✦ 

Read the latest text by Mai Elwakil, Art critics in Cairo: An alternative plot ✦ Read K-oh-llective’s contribution in Rehearsing Hospitalities Companion 4 ✦ Read our second exhibiton review by A. George Bajalia, Review #2: Pièces Détachèes ✦ Send us your publications by November 30! Learn more about the Open Call: Art Publications ✦ Support K-oh-llective’s work with a small donation! Learn more on how to Donate! ✦ Get in touch at info@kohllective.com ✦